مصطفى صادق الرافعي

113

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

برده ، ولا حيلة لهم معه ، مما يشبه على التمام أساليب الاستهواء في علم النفس ، فاستبد بإرادتهم ، وغلب على طباعهم ، وحال بينهم وبين ما نزعوا إليه من خلافه ، حتى انعقدت قلوبهم عليه وهم يجهدون في نقضها واستقاموا لدعوته وهم يبالغون في رفضها . . فكانوا يفرون منه في كل وجه ثم لا ينتهون إلا إليه ، إذ يرونه أخذ عليهم بفصاحته وإحكام أساليبه جهات النفس العربية . والمكابرة في الأمور النفسية لا تتجاوز أطراف الألسنة ، فإن اللسان وحده هو الذي يستطيع أن يتبرأ من الشعور ويكابر فيه ، إذ هو أداة مغلّبة تتعاورها الألفاظ ، والألفاظ كما يرمى بها في حق أو باطل تمتنع على من أرادها لأحدهما أو لهما جميعا . . . . . . قلنا : لولا ذلك على الوجه الذي عرفت ، لما صار أمر القرآن إلى أكثر مما ينتهي إليه أمر كل كتاب في الأرض ؛ بل لما كان لهم في أولئك العرب أمر البتة ؛ لأنهم قوم أميّون ، قد تأثلت فيهم طباع هذه الأمية ، وكان لهم الشيء الكثير من العادات والأخبار والتواريخ ، وبينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ثم هم لم يعدموا الحكماء من خطبائهم وشعرائهم ومن جنح إلى التأله منهم : كأمية بن أبي الصلت وقسّ ابن ساعدة ، وغيرهما . وما جاءهم القرآن بشيء لا يفهمونه ، ولا يثبتون معناه على مقدار ما يفهمون ، ولا كان هذا القرآن كتاب سياسة ولا نظام دولة ، ولو كان أمرا من ذلك ما حفلوا به ؛ ولا استدعى هو منهم الإجابة ؛ لأن لهم منزعا في الحرية لم تغلبهم عليه دولة من دول الأرض ، ولا أفلح في ذلك من حاوله من ملوك هذه الدول في الأكاسرة والقياصرة والتبايعة . بل خلقوا عربا يشرقون ويغربون مع الشمس حيث أرادوا وحيث ارتادوا ؛ وهم على ذلك لم يجمعهم ولم يخرجهم إلى الدنيا ولم يقلّبهم على تصاريف الأمور غير القرآن . فلو أن هذا القرآن غير فصيح ، أو كانت فصاحته غير معجزة في أساليبها التي ألقيت إليهم ، لما نال منهم على الدهر منالا ، ولخلا منه موضعه الذي هو فيه ، ثم لكانت سبيله بينهم سبيل القصائد والخطب والأقاصيص ، وهو لم يخرج عن كونه في الجملة كأنه موجود فيهم بأكثر معانيه ، قبل أن يوجد بألفاظه وأساليبه ، ثم لنقضوه كلمة كلمة ، وآية آية ، دون أن تتخاذل أرواحهم ، أو تتراجع طباعهم ، ولكان لهم وله شأن غير ما عرف ولكن اللّه بالغ أمره ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . وقد أومأنا في بعض ما سلف إلى أن هذا القرآن يكبر أن يكون حيا بروح عصره الذي أنزل فيه ، فلا يستطيع من لا يقول بإعجازه أن يقصره على زمن الجاهلية أو يتعلل في ذلك ، وهو بعد من الإحكام والسمو شرف الغاية وحسن المطابقة بحيث تتعرف منه